صديق الحسيني القنوجي البخاري
114
فتح البيان في مقاصد القرآن
مطمئنا إليه ، ولم يمنعه ذلك منه فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الظافرون بكل خير ، الفائزون بكل مطلوب ، وقد تقدم تفسير هذه الآية مرارا . إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فتصرفون أموالكم في وجوه الخير بإخلاص نية ، وطيب نفس وسماه قرضا من حيث التزام اللّه المجازاة عليه ، وفي ذكر القرض أيضا تلطف في الاستدعاء ، وترغيب في الصدقة حيث جعلها قرضا للّه ، مع أن العبد إنما يقرض نفسه ، لأن النفع عائد عليه قال القشيري : ويتوجه الخطاب بهذا إلى الأغنياء في بذل أموالهم ، وإلى الفقراء في عدم إخلاء أوقاتهم عن مراد الحق ومراقبته على مراد أنفسهم ، فالغني يقال له : آثر حكمي على مرادك في مالك وغيره ، والفقير يقال له : آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك ، ذكره الخطيب . يُضاعِفْهُ لَكُمْ فيجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في البقرة والحديد . عن أبي هريرة قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يقول اللّه استقرضت عبدي فأبى أن يقرضني ، ويشتمني عبدي وهو لا يدري ، يقول : وادهراه ، وادهراه ، وأنا الدهر ، ثم تلا أبو هريرة هذه الآية » « 1 » أخرجه ابن جرير والحاكم وصححه وَيَغْفِرْ لَكُمْ أي يضم إلى تلك المضاعفة غفران ذنوبكم وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ يثيب من أطاعه بأضعاف مضاعفة ، ولا يعاجل من عصاه بالعقوبة . عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي ما غاب وما حضر لا تخفى عليه منه خافية وقيل ما استتر من سرائر القلوب وما انتشر من ظواهر الخطوب الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي الغالب القاهر بإظهار السيوب ذو الحكمة الباهرة في الإخبار عن الغيوب ، وفي صنعه ، وقال ابن الأنباري : الحكيم هو المحكم لخلق الأشياء .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 300 ، 506 .